يحتفل جهاز أبوظبي للاستثمار بمرور 50 عاماً على تأسيسه في عام .1976 ومنذ ذلك الوقت، شهد الجهاز نقلةً نوعية في مسيرته، إذ تطور من فريق عمل صغير يستثمر بشكل أساسي في الأسهم والسندات إلى مؤسسة استثمارية متنوعة ورائدة عالمياً.

وحَرص الجهاز طوال مسيرته على تحقيق التوازن بين مواكبة التطور المستمر والانضباط الصارم في سبيل تحقيق رسالته المتمثلة في ضمان الازدهار المستدام طويل الأمد لأبوظبي. ويعود هذا الوضوح في الغاية والهدف إلى الرؤية الثاقبة للقادة المؤسسين، الذين وضعوا أهدافاً استراتيجية طويلة الأمد للجهاز ترتكز حصراً على الاعتبارات الاقتصادية.

وقال سموّ الشيخ حامد بن زايد آل نهيان، العضو المنتدب لجهاز أبوظبي للاستثمار: «ندين بالفضل الكبير للمغفور لهما، بإذن الله تعالى، الوالد المؤسِّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، لحكمتهما ونظرتهما الثاقبة في إنشاء جهاز أبوظبي للاستثمار. ونعبِّر عن بالغ امتنانا للدعم المتواصل واللامحدود من صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ومن سموّ الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة الجهاز، واللذين تواصل رؤيتهما الرشيدة توجيه مسارنا نحو المستقبل. ولا يفوتنا في هذه المناسبة أن نُشيد ونستذكر إسهامات مَن سبقونا في إدارة شؤون الجهاز، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ أحمد بن زايد آل نهيان، الذي بذل جهوداً دؤوبة في إرساء القواعد الراسخة التي نستند إليها اليوم في جهاز أبوظبي للاستثمار».

وعند تأسيس الجهاز في عام 1976، عُيّن معالي أحمد خليفة السويدي، نائباً لرئيس مجلس الإدارة، وعُيّن معالي محمد حبروش السويدي، عضواً منتدباً للجهاز، وشغلا هذين المنصبين حتى عام 1997، مقدمين إسهاماتهما البارزة للجهاز لأكثر من عشرين عاماً، حيث قادا مسيرة تقدم الجهاز وغرسا في منظومته ثقافة مؤسسية ما زالت راسخة حتى اليوم.

وفي ظل التطورات والتغيرات المتسارعة، أثبت جهاز أبوظبي للاستثمار قدرته على رصد المستجدات في المشهد الاستثماري والاستجابة لها بحكمة وبصيرة.  ومن الأمثلة البارزة على ذلك قيام الجهاز بالاستثمار مبكراً في فئات أصول استثمارية جديدة، فكانت أولى استثماراته في صناديق التحوط عام 1986، ثمَّ في الأسهم الخاصة عام 1989، وصولاً إلى قطاع البنية التحتية في عام 2007. وفي عام 1993 اعتمد الجهاز عمليةً رسميةً لتوزيع الأصول، وقد شكَّل ذلك ابتكاراً جوهرياً ومحركاً رئيساً لأدائه المتميِّز على مدى العقود اللاحقة.

وخلال السنوات الأخيرة، شهد الجهاز تحوُّلاً مؤسسياً شاملاً عزَّز من مرونته في رصد فرص استثمارية جديدة واعدة واستهدافها واغتنامها، سواء ضمن حدود فئات الأصول التقليدية أو بينها، وتبنّى الجهاز أيضاً أساليب كمّية ومنهجية مدعومة بالتكنولوجيا الحديثة على مستوى المؤسسة.

وفي عام 2020، أَسَّس الجهاز وحدة البحث والتطوير الكمّي للقيام بدور محوري في عملية التوزيع الديناميكي لأصول الجهاز، ولإجراء البحوث وتطوير وتنفيذ استراتيجيات الاستثمار. وفي عام 2021، أُنشِئَت دائرة المحفظة الرئيسية لإدارة استثمارات الجهاز في مؤشرات الأسهم العامة وسندات الدخل الثابت، مما أسهم في تحسين قرارات إعادة التوزيع، وتلبية متطلبات السيولة والتمويل للمحفظة الإجمالية. ودعماً لتعزيز المرونة التشغيلية، استكمل الجهاز في عام 2024 برنامجاً تحولياً امتد عدة سنوات مستهدفاً تطوير أداء الدوائر المساندة للاستثمار.

وقال سموّ الشيخ حامد بن زايد آل نهيان: «إنَّ المشهد الاستثماري الذي نعمل فيه يتسم بتعقيدٍ عالٍ وصعوبة التنبؤ بطبيعته وتغيُّراته، والحقيقة الوحيدة الثابتة فيه هي التغيير. وانطلاقاً من هذا الواقع، أولى جهاز أبوظبي للاستثمار أهمية قصوى للتفكير العلمي والتعلُّم المستمر وحل المشكلات كمهارات مؤسسية أساسية، ونحن نعتبر البحث والتطوير عنصراً حيوياً في هذه العملية، حيث يوفِّران مساراً منظماً لتوليد رؤى جديدة وتطوير قدراتنا، ومن خلال ترسيخ هذا النهج كأولوية مؤسسية، فإننا نضع الجهاز في موقع يمكِّنه من التكيُّف مع عالم يشهد تغيُّرات متسارعة».

ومنذ تأسيسه استثمر جهاز أبوظبي للاستثمار في الكفاءات من خلال استقطاب وتطوير الكوادر البشرية وخصوصاً الكفاءات الإماراتية. وبعد عامين من تأسيسه، أطلق الجهاز برنامجاً للمنح الدراسية، توسَّع على مرِّ السنوات ليتيح لآلاف المواطنين الإماراتيين فرصة متابعة دراستهم الجامعية في الخارج.

ويركِّز البرنامج اليوم على تقديم المنح الدراسية للطلبة الموهوبين لدراسة التخصصات المرتبطة بالعلوم والتكنولوجيا والرياضيات. ووقَّع الجهاز في الفترة الأخيرة اتفاقيات شراكة مع جامعات محلية رائدة بهدف إطلاق برامج ماجستير متخصصة ومؤهلات أكاديمية أخرى في الرياضيات التطبيقية وعلوم البيانات الحاسوبية.

ومن جهة أخرى، أسهم الجهاز في ترسيخ مكانة أبوظبي مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة من خلال إنشاء مختبر جهاز أبوظبي للاستثمار. فالمختبر الذي أطلق في عام 2022، يُعد مؤسسةً مستقلة متخصصة في إجراء الأبحاث الأساسية والتطبيقية في مجالات البيانات وعلوم الحوسبة، ويُشرف عليه مجلس استشاري عالمي المستوى يضمُّ أعضاءً حائزين جائزة نوبل، إلى جانب مجموعة من روّاد الفكر العالميين.

ويدرك جهاز أبوظبي للاستثمار أن نجاحه على مدى العقود الماضية قد بُني على أساس من التعاون القائم على الاحترام والثقة مع العديد من شركائه ونظرائه الذين تربطه بهم علاقات طويلة الأمد. ويدرك الجهاز أيضاً، بصفته مؤسسة استثمارية عالمية، دوره المهم في الإسهام في بناء منظومة استثمارية مزدهرة وتعزيزها، لذلك حرص الجهاز طوال مسيرته على أن يكون عضواً فاعلاً في مجتمع المؤسسات الاستثمارية. ويتجلى ذلك من خلال العديد من الشراكات طويلة الأمد والقوية وذات الفوائد المتبادلة مع العديد من المؤسسات المالية الرائدة عالمياً. ولا تزال هذه العلاقات ركيزة أساسية في نجاح الجهاز، حيث توفِّر المهارات المتخصصة والرؤى المعمَّقة، وتُتيح الوصول إلى استراتيجيات استثمارية فريدة تدعم تحقيق أهداف الجهاز.

برز هذا الدور في عام 2008 عندما عُيِّن جهاز أبوظبي للاستثمار رئيساً مشاركاً، إلى جانب صندوق النقد الدولي، لمجموعة العمل الدولية لصناديق الثروة السيادية، وتكلَّل ذلك بوضع مبادئ سانتياغو، وهي مجموعة من الإرشادات والمبادئ التوجيهية المتعلقة بالحوكمة واستراتيجيات الاستثمار وممارسات إدارة المخاطر لصناديق الثروة السيادية في العالم.

وقال سموّ الشيخ حامد بن زايد آل نهيان: «يولي جهاز أبوظبي للاستثمار أهمية كبيرة لبناء الشراكات مع المستثمرين الذين يشتركون معه في رؤيته وأهدافه، وترتكز تلك الشراكات على مبادئ الاحترام المتبادل والفهم المشترك لتحقيق القيمة المستدامة. ونحن ندرك أنَّ الحوار والتعاون هما السبيل الأمثل للوصول إلى أفضل الرؤى. ومن خلال العمل الوثيق مع شركائنا والنمو معهم، نجحنا في بناء شبكة معرفية تتعاظم قيمتها بمرور الوقت، وتُحقِّق عائداً مميزاً يتجاوز حدود أيِّ استثمار منفرد».

واستعداداً للخمسين عاماً المقبلة، عمل الجهاز على بناء قدراته الداخلية بما يمكِّنه من التكيُّف والتطوُّر لمواكبة التغيُّرات المستمرة في المشهد الاستثماري العالمي.

واختتم سموّ الشيخ حامد بن زايد آل نهيان: «من خلال التحلّي بالانضباط، وتوظيف الخبرات العميقة لكوادرنا، ومواصلة التعلُّم والتطوُّر، سيبقى جهاز أبوظبي للاستثمار مخلصاً وملتزماً بالمهمة والرسالة الموكَلة إليه باعتباره ركيزة أساسية لنمو وازدهار أبوظبي».